جريمة وعبرة

" كثيراً ما تتحول الأفراح ، في مجتمعنا الأردني الآمن المسالم إلى أتراح، للأسف ،نتيجة ممارسات تبدو أنها تراثية, اجتماعيه ولكن لا أساس لها من الدين والقانون،فمشاركة الناس أفراحهم ومناسباتهم العامة لا تكون بإخراج الأسلحة وإطلاق العيارات النارية "

الوقائــــــع:

تتلخص وقائع هذه القضية أنه وبحدود الساعة الثامنه من مساء يوم 24/5/2010 وأثناء تواجد المغدور الطفل ( ع ،مواليد 2000) في حفلة زفاف خاله في منطقة إسكان أبو نصير هو وباقي أقرانه من أهل العروسين،وإبتهاجاً بهذه المناسبة قام المشتكى عليه (ج) باشهار سلاحه الناري غير المرخصة قانوناً ( كلاشنكوف ) وأخذ يتباهى بإطلاق النار منه بشكل عشوائي وسط جمهرة المحتفلين،على الرغم من مناداة بعض العقلاء المتواجدين ومناشدتهم له بالتوقف عن إطلاق النار،إلا أنه استمر في ذلك،مغامراً، مقامراً، متوقعاً أن تصيب الاعيرة النارية أحد المتواجدين، وراضيأ بهذا الاحتمال،وقابلاً بالمخاطرة على الرغم من أن حدوث النتيجة امراً وارداً في ذهنه، وبالفعل نتيجة هذه الممارسات الخاطئة,ولعدم سيطرة المشتكى عليه على السلاح الرشاش ،اصيب المغدور الطفل ( ع ) بثلاثة أعيره نارية ،كان إحدها في اسفل الصدر أعلى البطن ونفذ من الجهة الخلفية المقابلة واصاب اثناء مساره الكبد والحجاب الحاجز والرئة اليمنى وأحدث داخل تجويفي الصدر والبطن نزفاً دموياً حاداً أدى للوفاة،علماً بان الطفل المغدور وحيد والديه, وقدمت الشكوى وجرت الملاحقة.

بالتطبيق القانوني وجدت النيابة العامة أنه وبالرجوع الى نص المادة 64 من قانون العقوبات التي تضمنت أنه: " تعد الجريمة مقصودة وإن تجاوزت النتيجة الجرمية الناشئه عن الفعل قصد الفاعل إذا توقع حصولها فقبل بالمخاطرة "، وحيث أن ما أقدم عليه المشتكى عليه يشكل سائر أركان وعناصر جناية القتل القصد خلافا لأحكام المادة 326 من قانون العقوبات وبدلالة المادة  64 من ذات القانون، تم تقديمه للمحاكمة أمام محكمة الجنايات الكبرى على هذا الاساس.

وبعد المحاكمة قررت بالنتيجة محكمة الجنايات الكبرى ادانة المتهم وتجريمه بهذا الوصف والحكم عليه بالاشغال الشاقة عشرين سنه ونظراً لاسقاط ذوي المغدور حقهم الشخصي الامر الذي اعتبرته المحكمة سبباً مخففاً تقديريا خفضت بموجبه العقوبة الى النصف لتصبح الوضع بالاشغال الشاقة المؤقته مدة عشر سنوات محسوبةً له مدة التوقيف.

لم يرتض المجرم بهذا الحكم وتقدم من خلال وكيله بطعن لدى محكمة التمييز الموقرة على سند من القول أن أفعاله تشكل بالقدر المتيقن جنحة التسبب بالوفاة نتيجة الخطأ الناتج عن قلة الاحتراز وعدم مراعاة القوانين والانظمة, ولا تشكل جناية القتل القصد.

وجاء في قرار محكمة التمييزالموقرة: إن أفعال المتهم من حيث حيازته سلاحاً نارياً واطلاق العيارات الناريه منه كان بفعل ارادي منه ولم يكن خطأ, وكان عليه ان يتوقع اصابة الاشخاص المتواجدين في حفلة العرس او احدهم, وانه على الرغم من الطلب منه التوقف عن متابعة اطلاق النار الا انه لم يأبه لذلك وقبل بالمخاطرة, وبالتالي فان القصد الاحتمالي بجناية القتل القصد يغدو متوافراً بحق الطاعن طبقاً للمادة 64 من قانون العقوبات وهو قصد مساوٍ للقصد الاصلي.

فالقصد الاحتمالي هو نية ثانوية غير مؤكدة تختلج بها نفس الجاني الذي يتوقع ان يتعدى فعله المنوي عليه بالذات الى غرض آخر لم ينوه اصلاً فمضى مع ذلك في تنفيذ فعله فأصاب به الغرض غير المقصود, و أن الضابط العملي لمعرفة وجود القصد الاحتمالي أو انتفائه في هذه الحالة يتحقق في الجواب على السؤال التالي : هل كان الجاني عند إرتكابه فعلته المقصودة بالذات مريداً لتنفيذها ولو تعدى فعله غرضه إلى الامر الاجرامي الآخر الذي وقع فعلاً ولو لم يكن قاصداً له في الاصل؟؟؟ فإذا كان الجواب ( نعم ) فهنا يتحقق وجود القصد الاحتمالي ،اما اذا كان الجواب ( لا ) فلا يكون الأمر هنا سوى من قبيل الخطأ, وحيث كان المتهم مريداً لتنقيذ فعله وهو اطلاق العيارات النارية من سلاح ناري وهو سلاح قاتل وقد تعدى فعله هذا الى غرض إجرامي آخر وهو اصابة المغدور والذي لم يكن مقصوداً في الاصل وبالتالي فانه يسأل عن القصد الاحتمالي ويكون مسؤلاً عن جناية القتل, وحيث جاء الحكم مستوفياً لكافة شرائطة القانونية واقعةً وتسبيباً وعقوبةً ولم يشبه أي عيب من العيوب الواردة في المادة 274 من قانون اصول المحاكمات الجزائية فإنه يقتضى تأييده.